الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
95
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنّها تخرج إلى كلّ موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك ، فتصير إلى حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور ، قالوا : فكان يرى أن لا حدّ عليها إذا فجرت ما لم تتزوّج ، وكأنّه رأى أنّها إذا تزوّجت فقد منعها زوجها . وقوله هذا وإن كان غير المشهور عنه ، ولكنّنا ذكرناه لأنّ فيه للمتبصّر بتصريف الشريعة عبرة في تغليظ العقوبة بمقدار قوّة الخيانة وضعف المعذرة . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب : أُحْصِنَّ - بضمّ الهمزة وكسر الصاد - مبنيّا للنائب ، وهو بمعنى محصنات - المفتوح الصاد . وقرأه حمزة ، والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بفتح الهمزة وفتح الصاد ، وهو معنى محصنات - بكسر الصاد - . وقوله : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ إشارة إلى الحكم الصالح لأن يتقيّد بخشية العنت ، وذلك الحكم هو نكاح الإماء . والعنت : المشقّة ، قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [ البقرة : 220 ] وأريد به هنا مشقّة العزبة التي تكون ذريعة إلى الزنا ، فلذلك قال بعضهم : أريد العنت الزنا . وقوله : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير ، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة ، ولئلا يوقع نفسه في مذلّة تصرّف الناس في زوجه . وقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي إن خفتم العنت ولم تصبروا عليه ، وتزوّجتم الإماء ، وعليه فهو مؤكّد لمعنى الإباحة . مؤذن بأنّ إباحة ذلك لأجل رفع الحرج ، لأنّ اللّه رحيم بعباده . غفور فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عمّا ما يقتضي مقصد الشريعة تحريمه ، فليس هنا ذنب حتّى يغفر . [ 26 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 26 ] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام المتقدّمة من أوّل السورة إلى هنا ، فإنّها أحكام جمّة وأوامر ونواه تفضي إلى خلع عوائد ألفوها ، وصرفهم عن شهوات استباحوها ، كما أشار إليه قوله بعد هذا وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ